فخر الدين الرازي

58

المطالب العالية من العلم الإلهي

عدم حدوث مثل هذا الحادث بعد هذه المدة ، أن لا يكون حدوثه لأجل إنه ابتداء عادة ؟ الاحتمال الثاني : لعله حدث لأجل أنه تكرير عادة متباعدة . مثل : ما ضربنا من الأمثلة ، ومثل : أن الكواكب الثابتة تنتهي إلى أول برج الحمل في كل ستة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة . فلعل هذا الحادث الذي حدث ، إنما حدث لأنه تكرير عادة متطاولة متباعدة . الاحتمال الثالث : لعله إنما حدث معجزة لنبي آخر ، أو كرامة لولي « 1 » آخر ، في طرف آخر من أطراف العالم . فاتفق كلام هذا الكاذب ودعواه في ذلك الوقت ، فحدث هذا المعجز على وفق دعواه ، لهذا السبب . الاحتمال الرابع : قد ثبت أنه تعالى قد يقوي الشبهة في بعض المواضع ، حتى أن المكلف إذا احترز عن تلك الشبهة القوية بالكد العظيم والعناء الشديد ، استوجب الثناء العظيم . فههنا إذا خلق اللّه تعالى هذا المعجز عقيب دعوى ذلك الشخص ، أوهم حدوثه عقيب دعواه إنه إنما حدث تصديقا له في دعواه . لكن العاقل لما علم أن ذلك وإن كان موهما . لكنه غير موجب [ للتصديق « 2 » ] لاحتمال أنه تعالى إنما أحدث ذلك المعجز ، عقيب دعواه « 3 » تشديدا على المكلف وتقوية للشبهة عليه . فإذا عرف هذا الاحتمال ، ولم يحمله على التصديق استحق به مزيد الثواب ، حيث احترز عن هذه الشبهة القوية . فيكون المقصود من إظهار المعجز ذلك . ألا ترى أن اللّه تعالى أنزل المتشابهات الكثيرة في كتابه ، ولا مقصود منها سوى ما ذكرناه . فكذا هاهنا . الاحتمال الخامس : لعل هذا النبي كان قد علم ، إما بواسطة علم

--> ( 1 ) الأستاذ أبو عبد الله الحليمي من أهل السنة ، وجمهور المعتزلة ينفون الكرامات عن الأولياء : بأنه لو ظهرت الخوارق من الأولياء ، لالتبس النبي بغيره ، لأن الخارق إنما هو المعجزة . وبأنها لو ظهرت على أيديهم لكثرت بكثرتهم ، وخرجت عن كونها خارقة للعادة [ تحفة المريد على جوهرة التوحيد ص 185 طبعة الأزهر ] . ( 2 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 3 ) دعوى ذلك المدعي ( ت ) .